في اول يوم من سنة 2007م توجهت لمدينة عدن
العاصمة الاقتصادية لليمن الموحدة لاول مرة، ركب بجانبي في السيارة التي تقلنا الى
عدن شاب جنوبي من يافع، متزوج من شمالية، لم تكن اصوات الحراك الجنوبي قد تعالت
بعد، سألته بكل جرأة - كنت مراهقا- : هل تفكرون باستعادة دولتكم؟ فأجاب باستنكار
شديد: من المستحيل ان نفكر بهذا، لقد تداخل الناس ديموغراقيا واصبح من المستحيل
مجرد التفكير بالانفصال.
بعدها بستة اشهر تأسس الحراك الجنوبي الذي
طالب النظام الحاكم في البداية بالعدالة والمساواة، قبل ان تتصاعد أسقف المطالبات الى
استعادة دولتهم ما قبل 1990م.
لكن المتابع لشعارات الحراك الجنوبي يلاحظ فقدانا
واضحا للهوية، هوية الوطن والانتماء.
يقول اعظم شعراء العرب امرؤ القيس الكندي
الحضرمي: تطاول الليل علينا دمون ** دمون انّا معشر يمانون، ويقول الشاعر الجاهلي
الكبير عبد يغوث الحارثي: أبا كرب والأيهمين كليهما ** وقيسا بأعلى حضرموت
اليمانيا.
واذا ما تأملنا البيتين
السابقين فمن البدهي ان يفرض سؤالٌ نفسه مفاده، لماذا يحول مسؤولو الحراك الجنوبي
في جنوب اليمن التنصل من كلمة (اليمن) ؟، وهاهو شاعر حضرموت الكبير يفتخر بيمنيته،
هل علموا معنى اليمن؟! ان محاولة تفريغ اليمن الجنوبي من هويته اليمنية افلاس فكري
وتاريخي كبير.
ان قادة الحراك في
جنوب اليمن يعانون من فقدان هوية حاد وواضح، فهم اليوم وهم يحملون مشروعهم
الانفصالي يرفعون علم جمهورية (اليمن) الديمقراطية الشعبية، يتوسطها نجمة لينين
الماركسية الحمراء، ثم انهم اختاروا لهم اسم الجنوب العربي، وهو الاسم الذي اختارة
الاستعمار البريطاني لاتحاد سلطنات ومشيخات جنوب اليمن حتى يشطبوا الهوية اليمنية
من شطرها الجنوبي، والاسم اذا ما ترجمناه حرفيا من المسمى الانجليزي South
Arabia
فمعناه جنوب الجزيرة العربية، ومن المعروف ان المسمى اللاتيني للجزيرة العربية هو Arabia وهو نقل
صوتي لكلمة (عربية)، اذن فتسمية الجنوب العربية هي اولا ترجمة خاطئة، وثانيا لمسمى
يشير الى منطة جغرافية لا الى بلد معين.
ودائما ما يكرر
قادة الحراك في الجنوب مقولة استعادة دولتهم ماقبل العام 1990م، ولكن من الملاحظ
ان تاريخ اليمن الجنوبي منذ الاستقلال سنة 1967 الى اعادة تحقيق الوحدة اليمنية في
العام 1990 لم يتسم بالاستقرار مطلقا، وكان عبارة عن متوالية انقسامات لا متناهية
بدءا من انقسام مقاومة الاحتلال البريطاني بين جبهة تحرير جنوب اليمن والجبهة
القومية للتحرير، واستطاعت الاخيرة الوصول للسلطة ثم مالبث اليساريون في الجبهة
القومية ان سيطروا على السلطة بقيادة سالم ربيع علي، وانقسم اليسارين بدورهم الى
يسار معتدل ويسار متطرف بقيادة عبدالفتاح اسماعيل يريد فرض الماركسية اللينينية
بحذافيرها وتصدير الشيوعية للشطر الشمالي، ثم مالبث ان تحول الى صراع مناطقي بين
حلف الضالع-لحج وحلف ابين-شبوة والذي تفجر
في العام 1986 مسببا انهاراً من الدماء، وقد القت كل تلك الاحداث السيئة بضلالها
على الواقع المعيشي لسكان الجنوب.
ومع انهيار
المنظومة الاشتراكية العالمية في بداية التسعينات سارع الجنوبيون للوحدة التي
رأوها طوق نجاة، ذلك ان ميزانية دولة الجنوب كانت معتمدة بالاساس على المساعدات
السوفييتية، والجنوبيون هم من أصروا على وحدة اندماجية، لقد كانت الوحدة اليمنية
كالجنة ليس فقط للقيادة الجنوبية بل حتى لسكان الجنوب.
وعلى النقيض من
ذلك، كان سكان الشطر الشمالي يعيشون فترة رخاء غير مسبوقة، بدأت بانتاج النفط في
العام 1986م في محافظة مأرب، وعززتها فتح ابواب العمل في المملكة العربية السعودية
على مصراعيها للعمالة اليمنية الشمالية ابان الطفرة النفطية، قبل ان يطرد مليون
منهم بسبب مواقف النظام اليمني من غزو الكويت، وأتت الوحدة، الوحدة كانت في نظر
سكان الشطر الجنوبي طوق نجاة من من شمولية النظام الحاكم، وكانت في نظر سكان الشطر
الشمالي مزيدا من التقدم والازدهار والقوة، لكن النتائج جاءت عكسية للطرفين،
فالجنوب كان بحاجة الى ميزانية كبيرة بعد الوحدة، وسكان الشمال فقدوا الرفاهية
التي تمتعوا بها في الثمانينات، وجاءت حرب 1994 وتبعاتها التي يتحملها النظام في
الشمال ولا احد سواه.
مما سبق نستنتج ان
سكان الشمال هم من ينبغي ان يتوقوا لوضعهم ما قبل الوحدة، ولكنهم ضحوا برفاهيتم
ولا يزالوا من اجل الوحدة، ولكن ما نشاهده هو ان الحراك الجنوبي هو من يتقمص دور
سكان الشمال.
واتسائل هنا لماذا
لم يتبنَ الحراك اسم (اليمن الجنوبي) مثلا، او جمهورية اليمن الديمقراطية التي
اعلنها علي سالم البيض ابان حرب 1994م؟، لقد حافظ جنوب السودان الذي انفصل عن
السودان على اسم (السودان) بالرغم من أنه اسم عربي.
لماذا حتى لم
يختاروا اسما آخرا كأوسان تيمناً بمملكة اوسان مثلاً التي ازهرت في جنوب اليمن و
انفصلت عن مملكة حمير بالمناسبة.
لماذا لا يرفع
الحراك الجنوبي علم اتحاد الجنوب العربي مثلاً الذي كان معمولا به بين عامي 1962 و
1967م بدلا عن علم النجمة الحمراء؟.
انه التخبط والهوية
المفقدة التي بدأت باعتناق الفكر الماركسي ولا زالت تلقي بضلالها حتى اليوم.